n-SPAIN-large570

أسبانيا تسعى لإحتلال موقع بريطانيا بأوروبا بعد البريسكت

تسير حافلتان في الوقت الحالي بشوارع وسط لندن وهما تحملان هذا الشعار مطبوع عليهما بالإنكليزية: “لندن… أيا كان ما سيحدث فإن مدريد ستظل موجودة من أجلك”.
تحاول هذه الحملة جذب المستثمرين والمصارف والشركات للعاصمة الإسبانية لجعلها المركز المالي الجديد لأوروبا عقب التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي في 23 يونيو الماضي.

لا تعد هذه مهمة سهلة في ظل وجود مدن منافسة قوية مثل باريس وفرانكفورت وميلانو ولوكسمبورغ، ولكن مدريد لديها عدد من المزايا، بينها سوق عقاري تنافسي وعبء ضريبي منخفض وبنية تحتية جيدة ومهنيون مؤهلون ومناخ معتدل.

هذا هو على الأقل ما تروج له حكومة مدريد، التي أطلقت الحملة، حيث قال متحدث رسمي باسم الحكومة الاقليمية لوكالة الأنباء الألمانية “حددنا خطة عمل بالتنسيق مع اتصالات دولية ودراسة لمعرفة قواعد التنافسية والوضع المالي”. وانضمت منظمات وشركات ونقابات لهذه الاستراتيجية التي تشارك فيها أيضا حكومة تسيير الأعمال الأسبانية برئاسة ماريانو راخوي.

وتحاول أسبانيا، الدولة التي اضطرت منذ 4 سنوات لطلب حزمة إنقاذ من بروكسل وتمتلك مصارف كبيرة مثل سانتاندير، إغراء المصارف الأميركية الكبيرة التي لها مقار في لندن مثل غولدمان ساكس ومورغن ستانلي وسيتي بنك وجيه.بي مورغن، لنقل مقارها من عاصمة الضباب لعاصمة الشمس ومصارعة الثيران.

ويقول وزير الاقتصاد بحكومة تسيير الأعمال لويس دي جيندوس بمناسبة زيارة للندن “أعتقد أن هذه الهيئات يمكنها القدوم لأسبانيا بشكل مثالي لأنه بلد جذاب.

ألبرت إنجيكس: للأسف أسبانيا بلد معقد للغاية فيما يتعلق بالبيروقراطية وهي عقبة كبيرة

وجذبت مدريد من الأعوام الخمسة الماضية ما يقرب من 75 بالمئة من الاستثمارات البريطانية في أسبانيا. ويقع إقليم مدريد، الذي يقطنه 6.3 مليون نسمة، في وسط البلاد ويعد بمثابة بوابة مهمة لأميركا اللاتينية وأفريقيا.

ولكن هل تمتلك مدريد حقا فرصة لكي تصبح المركز المالي الجديد لأوروبا؟

يقول مدير الاستثمارات بشركة تريسيس خستيون ، دانييل لا كايي “توجد الكثير من العوامل المؤثرة ولكن مدريد لديها فرصها”، مشيرا إلى أنه توجد “شروط لكي تتم هذه العملية الانتقالية بشكل سريع وفعال ومريح وغير مكلف أيضا”.

وبعد 5 أسابيع من معرفة نتائج الاستفتاء بخصوص مستقبل بريطانيا في الاتحاد الأوروبي، لا تزال المصارف الكبرى والشركات متعددة الجنسيات وصناديق الاستثمار البريطانية والأجنبية تنتظر كيف ستكون عملية الخروج. ويعد الأمر الوحيد الواضح حتى الآن هو أن كل هؤلاء سيحتاجون إلى “جواز سفر أوروبي” للعمل في المنطقة.

وأكد لا كايي الذي يعيش بين لندن ومدريد “لم يتخذ أحد أي قرارات على المدى الطويل حتى الآن، ولكن في المحادثات الخاصة فإن مدريد ليست خيارا مستبعدا”.

وتعد العقبة الرئيسية عدم وجود حكومة في أسبانيا التي تعيش موقفا سياسيا يغيب عنه الاتزان منذ انتخابات ديسمبر الماضي، في ظل وجود حكومة لتسيير الأعمال تتعقد معها إمكانية اتخاذ الإجراءات اللازمة لجعل المدينة أكثر جاذبية للشركات والمصارف.

وربما تحدث انفراجة في الأزمة خلال الأسابيع المقبلة إذا تمكن زعيم الحزب الشعبي المحافظ ماريانو راخوي من الحصول على الدعم اللازم لتشكيل حكومة، خاصة أنه يوجد شيء إيجابي بالنسبة لمدريد وهو أن أسبانيا على عكس فرنسا وإيطاليا لا توجد فيها أحزاب معادية لأوروبا.

وتقول مصادر من الحكومة الإقليمية لمدريد “لا يوجد أحد يخطط للخروج من الاتحاد الأوروبي أو منطقة اليورو، بما فيها القوى السياسية الأكثر تطرفا”.

أما في ما يتعلق بمسألة جذب الاستثمارات فإن الخبراء يركزون على السياسة الضريبية، حيث يقول مدير صناديق جي.في.سي جايسكو الاستثمارية، ألبرت انجيكس “يجب توفير حوافزمثل ما يعرف باسم “قانون بيكهام”، الذي يقدم مزايا ضريبية للأرباح المرتفعة. ومن ضمن الأمور الحاسمة أيضا تسهيل العملية البيروقراطية، حيث يقول إنجيكس “للأسف إسبانيا بلد معقد للغاية في ما يتعلق بهذا الإطار. هذه تمثل عقبة كبيرة”.

لويس دي جيندوس: أعتقد أن المصارف يمكنها القدوم إلى أسبانيا بشكل مثالي لأنها بلد جذاب

وكان الاقتصاد الأسباني خرج من عملية التراجع في نهاية 2013 عقب فترة سيئة كانت البلاد فيها على وشك الانهيار، ولكن البلاد لا تزال تواجه تحديات، أبرزها مشكلة البطالة التي تصل إلى 20 بالمئة، وهو واحد من أعلى المعدلات في الاتحاد الأوروبي.

وتشعر حكومة تسيير الأعمال بالتفاؤل في ما يتعلق بالنمو خلال السنوات المقبلة، ولكن صندوق النقد الدولي خفض مؤخرا نمو الناتج المحلي الإجمالي في العام المقبل إلى 2.1 بالمئة. وعلى المدى الطويل، فإن أكبر المخاوف تكمن في فشل التطلعات التي أعقبت البريكست، فأمام مشهد مليء بالشكوك مع عدم معرفة شروط وموعد خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، فمن الممكن أن تضغط المصارف والشركات الكبرى على أي حكومة بريطانية للحصول على مزايا ومنافع إضافية لضمان استمرارها على الأراضي البريطانية.

ويضيف إنجيكس “في الوقت الحالي الاهتمام بالرحيل ليس مرتفعا. علمنا مؤخرا أن “ويلز فارجو”، أحد أكبر المصارف الأميركية سيرفع من قدراته في بريطانيا رغم البريكست”.

وأكد أن “من المهم أن تتحرك أسبانيا ولكن الكلمة الأخيرة ستكون للشركات التي يجب عليها التفكير ودراسة ما هو أكثر الأمور نفعا بالنسبة لها. البقاء في بريطانيا مع البنية التحتية المتوفرة لديها بالفعل أم الانتقال لدولة أخرى مع التكاليف التي قد تنجم عن هذا الأمر”.